كريم نجيب الأغر
198
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ومن الجدير بالذكر أن الإسلام يخالف النصارى لأنه ينهى عن مجامعة النساء وقت المحيض ، بينما هم يحلّونه . ولم يحرم الإسلام مباشرة النساء لوجود الدم في موضع الإتيان فقط ، بل لورود زمن الحيض . فكلمة « المحيض » التي جاءت في الآية وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً . . . [ البقرة : 222 ] لا تشير إلى سيلان الدم وإلى موضع النكاح فحسب ، بل إلى ورود زمن الحيض أيضا . جاء في لسان العرب « 1 » : « حيض : . . . وقيل المحايض جمع المحيض وهو مصدر حاض ، فلما سمّي به جمعه ، ويقع المحيض على المصدر والزمان والدم » . ومن التفسير السابق نفهم أن الآية تعني : اعتزلوا موضع جماع النساء ، لوجود الدم ، خلال الفترة المعلومة للحيض . وللدلالة على أهمية عامل زمن المحيض ، وأنه يعتدّ به ، جوّزت الشريعة الإسلامية مجامعة الرجل لامرأته حال كونها مستحاضة . والمستحاضة هي المرأة التي يسيل الدم من فرجها لمرض ما على غير عادة ، في غير وقت الحيض والنفاس . فإن لم تستطع أن تميّز بين دم الحيض ودم الاستحاضة فإنها تمتنع عن زوجها في الفترة التي يغلب على ظنها أنها فترة المحيض ، بينما تحل نفسها له في الفترة المتبقية وتعتبرها استحاضة . وإحلال فرجها لزوجها يصح لأنه لم يرد دليل بتحريم جماعها
--> - هناك دما غير ملوّث في مهبلها ، وبالتالي يجوز شرعا الوطء للمعطيات الشرعية وكما تشير إليه المعطيات العلمية ( انظر الحاشية رقم 1 ، ص 199 - 200 ) . ومن الكلام السابق يضعّف مذهب الحنفية في هذا الأمر ، لأنهم لم يشترطوا غسل المهبل ، وبالتالي إزالة الدم الملوث من مهبل المرأة . ومذهب الأوزاعي يحمل على الجواز لأن شرطهم من طهارة وغسل الفرج يزيل الأذى . ومذهب الجمهور يحمل على الندب ، لأنهم يشترطون إضافة إلى إزالة الأذى ، غسل المرأة جميع بدنها ، وذلك لأن اللّه تعالى يحبّ المتطهرين كما جاء في تكملة الآية : فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] . ويظهر من هذا الكلام أن الصواب - وباللّه التوفيق - ظهور لفظ فَإِذا تَطَهَّرْنَ في الاغتسال ( لأن الاغتسال يقتضي أن تطهر المرأة من حيضها إضافة إلى الاغتسال ، وإلا لم ينفع المرأة أن تغسل فرجها فقط ، ودم الحيض يسيل ) ، أو أن يكون هناك كلام محذوف في الآية : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 222 ] وتقديره : ولا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم اللّه . واللّه تعالى أعلم . ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « حيض » - ( ج 3 / ص 420 ) .